مادة : المؤسسات السياسية جامعة محمد الخامـــــس
الأستاذ الدكتور: بنعيــــاش كلية الآداب والعلوم الإنسانية- السويسي
حريــة التعبيـــــر و الرأي: المفهوم والضوابط و العوائق .
تقديــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم :
تعد حرية الرأي والقول وحق الإعلام في التعبير عنهما أحد أدلة الممارسة الديمقراطية في أي بلد، كما يعد هذا الثالوث مقياسا لدرجة التقــــــــــــدم والتطور فيه أو دلالة على حجم التخلف عن مواكبة العصر والدخول إليه. كما تعد حرية التفكير والتعبير وإعلان الرأي ، مطلبا شرعيا و قيمــــــــة إنسانية تجسد حرية الإنسان، وكل قمع لهذه الحرية هو حط من قيمة الإنسان،كما أن ممارسة هذه الحرية بدون مسؤولية يجعلها بدون معنى، وقــــد وصفت الجمعية العامة للأمم المتحدة حرية التعبير بأنها: "" المحك لجميع الحريـــــات التي تكرس الأمم المتحدة نفسها لها"" ، ويمكن القول بــــأن مجتمعا غير مطلع جيدا ليس مجتمعا حرا ...فما المقصود بحرية التعبير؟؟، و ما أصلها؟؟ و ما حدودها؟؟ و ما معيقاتها؟؟ .
المبحث الأول : تعريف حرية التعبير وأهميتها .
حرية التعبير يمكن تعريفها بالحرية في التعبير عن الأفكار و الآراء عن طريق الكلام أو الكتابة أو العمل الفني بدون رقابة أو قيود حكومية بشـــــرط عدم تعارضها شكلا أو مضمونا مع قوانين و أعراف الدولة أو المجموعة التي سمحت بحرية التعبير، ويصاحــــــب حرية الرأي و التعبيــــــر علــى الأغلب بعض أنواع الحقوق كحق حرية العبادة و حرية الصحافة و حرية التظاهرات السلمية.. ويجب بداية التفريق بين حرية الرأي وحرية التعبير .
فحرية الرأي هي عملية فكرية يتولاها العقل، تعتمد على عدد من المقدمـــات والفرضيـــات لاستخلاص النتائج، أو الربط بين حوادث موضوعية أو زائفة ،أو بيان الكل بالجزء أو الجزء بالكل، سواء كانت المحاولة صائبة أو خاطئة، أو جـــاء الرأي لإيضاح أو تفسير رأي آخر ، و بالتالي فإنـــــه لا عبرة بالأفكار التي تبقى قيد الذهن، وللرأي ركنين : مرسل ومرسل إليه ، وتشترط وجــود هدف أوغاية من إبداء الرأي، و المرونة في إبداء الـرأي، أي أنه يعرض ولا يفرض .
أما حرية التعبير، فتعني إخراج هذا الرأي الي الناس عبر وسائل التعبير المختلفة ،من كتابة وفن وكلام وحتي لغة الجسد ، وتأتي حرية التعبيـــــــر ضمن منظومة حقوق الإنسان السياسية، حيث تصنف حقوق الإنسان عادة في الفئات التالية:
حقوق الإنسان الأساسية : وتشمل: الحق في الحياة والحق في المساواة, والحق في الحرية.
حقوق الإنسان المدنية : وتشمل الحق في حرية الإعتقاد، والحق في التمتع بالجنسية، والحق في التقاضي والمحاكمة العادلة والسريعة.
حقوق الإنسان السياسية : وتشمل الحق في المشاركة السياسية, والحق في تكوين الجمعيات والإنضمام اليها, والحق في حرية التعبير.
حقوق الإنسان الإجتماعية والثقافية : وتشمل الحق في الأمن, والحق في التعليم، والحق في الأمن الصحي، والحق في العمل، والحق في الحياة الكريمة، والحق في بيئة سليمة.
و تكتسي حرية التعبير أهميتها من ثلاثة أسباب رئيسية على الأقل :
أولها : أن الحق في التعبير عن النفس هو ضرورة و صفة أساسية لكرامة الإنسانية .
ثانيها : أن أفضل طريقة للوصول إلي الحقيقة تتمثل في وجود " سوق الأفكار " حيث يتم تبادل الأفكار ووجهات النظر بحرية ، وهو ما لا يتم إلا باحترام حرية التعبير.
ثالثها : أنه لا يمكن أن يكون هناك أي حوار مفتوح ونقاش علني بدون حرية انسياب وتدفق للمعلومات .
المبحث الثاني : بدايات و أصل حرية التعبير .
ترجع بدايات المفهوم الحديث لحرية الرأي و التعبير إلى القرون الوسطى في المملكة المتحدة بعد الثورة التي أطاحت بالملك جيمس الثاني من إنكلتـــــرا عام 1688 ونصبت الملك وليام الثالث من إنكلترا والملكة ماري الثانية من إنكلترا على العرش، وبعد سنة من هذا أصدر البرلمان البريطاني قانــــون "حرية الكلام في البرلمان" .و بعد عقود من الصراع في فرنسا تم إعلان حقوق الإنسان و المواطن في فرنسا عام 1789 عقب الثورة الفرنسية الـذي نص على أن حرية الرأي و التعبير جزء أساسي من حقوق المواطن وكانت هناك محاولات في الولايات المتحدة في نفس الفترة الزمنية لجعل حريــة الرأي و التعبير حقا أساسيا لكن الولايات المتحدة لم تفلح في تطبيق ما جاء في دستورها لعامي 1776 و 1778 من حق حرية الرأي و التعبيـــر حيث حذف هذا البند في عام 1798 واعتبرت معارضة الحكومة الفدرالية جريمة يعاقب عليها القانون ولم تكن هناك مساواة في حقوق حرية التعبير بيـــــن السود و البيض.
ويعتبر الفيلسوف جون ستيوارت ميل من أوائل من نادوا بحرية التعبير عن أي رأي مهما كان هذا الرأي غير أخلاقيا في نظر البعض، حيــــث قال "إذا كان كل البشر يمتلكون رأيا واحدا وكان هناك شخص واحد فقط يملك رأيا مخالفا فان إسكات هذا الشخص الوحيد لا يختلف عن قيـــــــام هذا الشخص الوحيد بإسكات كل بني البشر إذا توفرت له القوة" وكان الحد الوحيد الذي وضعه ميل لحدود حرية التعبير عبارة عن ما أطلق عليـــــه "إلحاق الضرر" بشخص آخر، ولا يزال هناك لحد اليوم جدل عن ماهية الضرر ، فقد يختلف ما يعتبره الإنسان ضررا ألحق به من مجتمع إلى آخر. وكان جون ستيوارت ميل من الداعين للنظرية الفلسفية التي تنص على أن العواقب الجيدة لأكبر عدد من الناس هي الفيصل في تحديد اعتبار عمل أو فكرة معينة أخلاقيا أم لا وكانت هذه الأفكار مناقضة للمدرسة الفلسفية التي تعتبر العمل اللاأخلاقي سيئا حتى و لوعمت فائدة من القيام به ، واستنــدت هذه المدرسة على الدين لتصنيف الأعمال إلى مقبولة أو مسيئة، ولتوضيح هذا الاختلاف فان جون ستيوارت ميل يعتبر الكــــــذب على سبيل المثـــال مقبولا إذا كان فيه فائدة لأكبر عدد من الأشخاص في مجموعة معينة، على عكس المدرسة المعاكسة التي تعتبر الكذب تصرفا سيئا حتى و لو كانــــت عواقبه جيدة.
ثم جاء قرار الجمعية العامه للامم المتحدة رقم 59 (د-1) الصادر بتاريخ 14 ديسمبر 1946 في دورتها الأولى ليكون أول إجماع دولي حـــول هذه الحرية، ثم أضحت فيما بعد قوانين الدول و دساتيرها تسن لتساير هذه القوانين و القرارات و الإتفاقات الدولية…إلى حد ما ، و لو شكليــــــا في بعض الأحيان .
و لعل هذه الشكلية أو الصورية هي ما تجسده بعض الأحداث الدولية بين الفينة و الأخرى، فقد كانت حرية التعبير ،و لا تزال، إحــــــــــدى أساسيات الحديث عن حاضر ومستقبل الوطن العربي. و أيا كان الوضع بـــه، فإنه لا يجهر طرف سياسي أو معنوي واحد بعدائه للتعبير الحر. فقـد يدعي هذا المستبــد أو ذاك أن بلده ينعم بحقل حر لإبداء الرأي والتعبيـر ، لكن ادعاءه سرعان ما يتعرض للانهيار خلال نقاش جدي تستخدم خلالــه وسائل قياس أولية للتمييز بين التعبير الحر والتعبيــر المسيـــر/المقيد… و لعل الثورات القائمة في الوطن العربي حاليا أبـرز مثال و دليل على ذلك ، و لعل مثل تلك الثورات هي ما يعكس اضطرار المستبديـــن العرب، أو غيرهم، للتسليم بسيادة هذه القيمة الأساسية في منظومة حقوق الإنســـان.
المبحث الثالث : حدود و ضوابط حرية التعبير :
إذا كان مآل تلك الثورات ينحى بوضوح لصالح مطالب الشعوب وعموم الرأي العام، فإن الأكيد أن هذا الحق يجب أن تحكمه مجموعة شروط و ضوابط ، كما يطرح عدة أسئلة بشأن كيفية استخدام هذا الحق حتى لا ينحى إلى مناحي أقرب إلى الفوضى منها إلى الحق. يتضح هذا المعنى أكثر عبر طرح المشكلة بصيغة أخرى: ما الذي يفعله أصحاب هذا الحق بحقهم المكتسب؟ كيف يعبرون؟ و ما حدود حرية الرأي و التعبير؟؟.
فبالنسبة لحدود حرية الرأي و التعبير فانها تعتبر من القضايا الشائكة والحساسة، إذ أن الحدود التي ترسمها الدول أو المؤسسات المانحة لهذه الحرية قد تتغير وفقا للظروف الأمنية أو المتغيرات الديموغرافية المرتبطة ب






















